06162024الأحد
Last updateالجمعة, 17 تشرين2 2023 8pm

مقالات

إستراتيجية الهجرة النبوية

Strategy

يجب قراءة الأحداث الواردة في القرآن من القرآن قبل أي شيء، قراءة واعية وأن نأخذ ما قاله بشموليته الكاملة، وما يحمله من معاني تربوية تفيد المسلم في علاقته مع الله تعالى، ومع المجتمع، ذلك أن القرآن دائما ما يربط بين الأحداث والأحكام وبين الجانب الإيماني، وشتان بين أن تقرأ مثلا أحكام الزواج أو الطلاق أو البيوع في كتب الفقه وبين أن تقرأها في كتاب الله، ففي القرآن بيان الأمر أوالحكم، والحث على الفعل عن طريق التزكية والإيمان.

ذكر القرآن الكريم أحداث هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من موطن،منها قوله تعالى: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"، كما ذكرها في قوله تعالى: "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".وفي حديث القرآن عن المؤامرة التي عقدها المشركون في دار الندوة للقضاء على الرسول صلى الله عليه وسلم: " وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ "،نلحظ في ختامها طمأنة الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فرغم محاولة المشركين اعتقال الرسول صلى الله عليه وسلم "ليثبتوك" أو القضاء عليه "أو يقتلوك"، أوالنفي خارج البلد "أو يخرجوك"،وهي وسائل قديمة حديثة، لكن يأتي تثبيت الله لرسوله صلى الله عليه وسلم "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"، ففيها عظة لكل مؤمن بالله تعالى ما دام على الحق أن يثبت عليه، فإن مكر له الخلق، فإن الخالق حاميه من كل شر، وهذا ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يربي ابن عباس رضي الله عنهما حين قال له: "ياغلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".

الحرس الملائكي في الهجرة

في الآية الأخرى: "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"(التوبة 40 )، نلحظ استشعار النبي صلى الله عليه وسلم لمعية الله سبحانه وتعالى، فرغم خوف أبي بكر من المشركين الذين عبر عنهم بقوله: "يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا"، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، اللــــه ثالثهما، يا أبا بكر، لا تحزن، إن الله معنا"، إن المسلم الذي يسير في طريق الله يجب أن يستشعر بأن الله معه، فينزل هذا على قلبه الطمأنينة والسكينة ، وهذا ما طمأن الله تعالى به موسى حين خاف الذهاب إلى فرعون، وقال لله: " قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى"، وتعلم موسى الدرس حين خاف بنو إسرائيل من فرعون حين جاء وراءهم بخيله ورجاله،وقال بنو إسرائيل: "إنا لمدركون"، فرد عليهم موسى: "كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ". وحين يكون المؤمن على حق، فليوقن أن الله تعالى سيحفظه بما يحفظ به عباده الصالحين، فلله جنود السماوات والأرض، وقد حفظ الله تعالى رسوله بملائكته، لا كما ورد في الروايات الضعيفة من حكاية الحمامتين والعنكبوت، وأصبحت معلما من معالم السيرة، فظاهر القرآن يقول: "وأيده بجنود لم تروها"، وهي الملائكة، فقد حمى الله رسوله بملائكته حين خرج من بيته، وحماه في الغار، فكانت الملائكة تحرس المكان، وتمنع المشركين من الوصول إليه، مع كونهم وصلوا إلى المكان، ومع كون الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ بكل الأسباب الممكنة، ولكن كانت الحماية بملائكة الله تعالى، وهو تعليم للمسلمين الذين يأخذون بالأسباب، ويبذلون كل ما في وسعهم، فإن الله تكفل بحمايتهم من كل شر.

الحماية لجميع المؤمنين: إن حماية الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالملائكة ليست خاصة به وحده، فإن من أهم وظائف الملائكة حماية المؤمنين الصادقين، قال تعالى: "لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ"،وقد ورد أن المرء إذا قرأ آية الكرسي قبل أن ينام لا يزال عليه حافظ من الله حتى يستيقظ.

في كل هجرة فتح: الارتباط بين الهجرة والفتح نلمحه في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح" فيفهم منها أن الهجرة كانت فتحا،وكل هجرة يفعلها المسلم يكون بعدها فتح له من الله سبحانه وتعالى،فالذي يهجر الكسب الحرام، فليبشر بفتح من الله تعالى برزق واسع ، ومن ترك وظيفة لأنها حرام، فإن الله سيبدله فتحا؛ وظيفة خيرا منها، ومن ترك الزنى المحرم، رزقه الله تعالى الزوجة الصالحة، وهكذا وذلك لأن الإنسان إن كان يترك الشيء لله، فليس هو بأكرم من الله، فإن الله مبدله خيرا، وقد قال تعالى: "وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ".

معنى الإستراتيجيات في الفكر الإداري الإسلامي: 

يقصد بالإستراتيجيات كما يراها علماء التنظيم والإدارة في الإسلام: هي الرؤية المستقبلية لأي عمل أو مهمة أو شأن في المستقبل؛ حتى يكون متخذ القرار على بصيرة من أمره عند تحقيق المقصد، وهذا المعنى ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:" إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن كان خيرًا فأمضه،وإن كان غيًّا فانته عنه " (رواه عبادة بن الصامت)

الأهداف الإستراتيجية للهجرة:
-
إقامة دين الله ولا شيء أغلى عند المسلم من دينه، ولا شيء أسمى من رسالة التوحيد، فهي التي عليها نحيا، وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد، وعليها نلقى الله، ولذلك هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجله.

- حماية الجماعة التي آمنت بدين الله عزَّ وجلَّ، وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم من بطش المشركين الكافرين؛ حتى تتمكن من إقامة هذا الدين.

- نشر دين الله، وجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة المشركين الكافرين السفلى
- تأسيس الدولة الإسلامية  من خلال المجتمع الإسلامي المتآخي المترابط المتحاب.

- الانطلاق بالإسلام إلى العالم باعتباره الدين التام والشامل، وأن رسوله قد أُرسل إلى الناس كافة، مصداقًا لقول الله:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ(سبأ 28.

السياسات الإستراتيجية للهجرة:

- لقد رسم وانتهج رسول الله صلى الله عليه وسلم مجموعةً من السياسات؛ لتحدد له معالم الهجرة منها ما يلي:

- سياسة كتم الأسرار، حتى لا يعلم المشركون والكفار أي معلومات عن الهجرة، حتى أنه أخفاها لمرحلة معينة عن صاحبه المخلص الأمين أبو بكر الصديق، وعن الذين سوف يكلفون بمهام خاصة فيها، تقول كتب السيرة: "لقد استعد أبو بكر للهجرة إلى المدينة؛ ليلحق بمن هاجر من قبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي"، فقال له أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال:"نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه.."، ولكن لم يُعْلِم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر بميعاد الهجرة، والنموذج الثاني من كتمان أسرار الهجرة عندما ذهب النبي صلى الله علية وسلم إلى أبي بكر؛ ليبرم معه مراحل الهجرة، قالت عائشة رضي الله عنها: "بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلاَّ أمر؛ قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:"أخرج مَنْ عِنْدك"، فقال أبو بكر: إنما هم أَهْلُكْ، بأبي أنت يا رسول الله، قال:"فإني قد أُذِنَ لي في الخروج"، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم"(رواه البخاري).

- سياسة التمويه، لقد مَوَّه رسول صلى الله عليه وسلم خروجه من البيت، ثم غادر هو وأبو بكر من بيت الأخير من باب خلفي، وسلك طريقًا غير طريق المدينة المعتاد، وهو الطريق الواقع جنوب مكة والمتجه نحو اليمن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسير على أطراف قدميه كي يخفي الآثار، وكان عامر بن فهيرة يتبع عبد الله بن أبي بكر عند ذهابه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووالده في الغار؛ ليزيل آثار الأقدام، ونجحت هذه السياسة في إخفاء محاولة المشركين في العثور على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام علي بأن ينام في فراشه، وذلك للتمويه على الكافرين، ولردِّ الأمانات.

- سياسة الاستعانة بالخبراء حتى ولو كانوا من غير المسلمين، تقول كتب السيرة: "لقد استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر عبد الله بن أريقط الليثي الكافر، وكان هاديًا ماهرًا بالطريق وَأَمنَاهُ على ذلك، وسلما إليه الراحلتين، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، وجاءهما عبد الله في المكان والميعاد المتفق عليه، ولقد استنبط فقهاء الإسلام أنه يجوز الاستعانة بغير المسلم عند الضرورة متى كان خبيرًا وأمينًا.

- سياسة تحديد وتوزيع الاختصاصات والمسئوليات، لم تكن الهجرة عملاً عشوائيًّا، بل كانت خطة محكمة جدًّا وتنظيمًا دقيقًا، وُزِّعَت فيها الاختصاصات وحُدِّدَت المسئوليات، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يرافق الرسول ويعاونه ويساعده، وهذا علي رضي الله عنه ينام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم للتمويه ولرد الأمانات، وهذا عبد الله بن أبي بكر يأتي بالمعلومات، وهذه أسماء تأتي بالطعام، وهذا عامر بن أريقط دليل الطريق، وهذا عامر بن فهيرة ليزيل آثار الأقدام.. توزيع دقيق للمسئوليات في إطار سياسة رشيدة وخطة محكمة، ولذلك تحققت المقاصد والأهداف بدون ارتباك أو خلل، وهذا ما يجب الاستفادة منه في إدارة شئون حياتنا كلها وفي دعوتنا الإسلامية.

- سياسة الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، لقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم السبب والتوكل على الله في تخطيط وتنظيم وتنفيذ الهجرة، فلقد أخذ بالأسباب ومنها التمويه، واختيار خبير في الطريق، واختيار أبي بكر للصحبة، وشراء الراحلتين، والتزود بالمعلومات.. وإلقاء التراب على وجه المشركين، وتلا قَوْلَ الله عزَّ وجلَّ:﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ(9يس)،وفي الغار عندما وصل المشركون إليه وتقطعت الأسباب تمامًا، فَتَتَدَخَّل عناية الله عزَّ وجلَّ ويحفظهماٌ(التوبة40).

الخطة الإستراتيجية للهجرة وتنفيذها وأساليبها:

لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم خطةً إستراتيجيةً رشيدةً ومحكمةً؛ لتحقيق الأهداف المنشودة، ومن عناصرهذه الخطة ما يلي:

- التهيئة للهجرة: حيث كان يقابل بعض الناس ممن كانوا يأتون إلى المدينة ويعرض عليهم الإسلام، ثم كانت بيعة العقبة الأولى والثانية، ولقد سجَّل القرآن ذلك، يقول الله تبارك وتعالى:﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحا قَرِيبا)(الفتح18.) وكان من إستراتجيات الرسول صلى الله عليه وسلم من تلك البيعتين تأسيس وطن جديد لاستقبال هذه الدعوة والانطلاق بها وحماية الجماعة المؤمنة، وتبع ذلك هجرة المسلمين إلى المدينة، كما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سفراء يسبقونه، منهم مصعب بن عمير رضي الله عنه.

- التوقيت المناسب للهجرة: لقد أَوْحَى الله عزَّ وجلَّ إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وأخبره بمؤامرة قريش، وَأَذِنَ له في الخروج، وحدَّد له وقت الظهيرة، وذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه في ذلك الوقت، وَمَكَثَ في الغار ثلاثة أيام حتى تهدأ الأمور ويأمن الطريق

- اختيار الطريق المناسب

- اختيار المنزل المناسب في المدينة: لقد أحسن رسول الله المنزل الذي ينزل فيه وهو بيت أخواله ليكرمهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار"أي بيوت أهلنا أقرب"؟ فقال أبو أيوب: أنا يا رسول الله، هذه داري وهذا بابي، قال: فانطلق فهيِّئ لنا مقيلاً، قال:"قُومَا على بركة الله"(البخاري"

* بناء المسجد:لقد أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، وهو أول مسجد أُسس على التقوى بعد النبوة، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا المسجد رسالته على النحو التالي:

-مركزًا لبناء المسلم عقديًّا وأخلاقيًّا وسلوكيًّا.

-مركزًا لانطلاق الدعوة الإسلامية إلى الناس جميعًا

-مركزًا لإدارة شئون الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها

-مركزًا لتخطيط وإدارة الغزوات

- مركزًا للصلح والتحكيم الشرعي والقضاء بين الناس.

* بناء المجتمع على أخوة الإسلام:لقد اهتمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم برابطة وعقد الأخوة كأساسٍ للمجتمع القوي السليم المتضامن المتكافل، فقد آخى بين المهاجرين والأنصار، ونزل في ذلك قول الله تبارك وتعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تعملون بَصِيرٌ﴾(الأنفال: 72)، وقوله عزَّوجلَّ:(لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾(الحشر).كما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على العصبية، فلا حميةَ إلا حمية الإسلام، وبعد الهجرة قويت رابطة الأخوة بين الأوس والخزرج،وأصبح المؤمنون كالبنيان المرصوص، وتحقق بذلك نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية.

* بناء السوق الإسلامي :كان اليهود يسيطرون على أسواق المدينة، ويحتكرون تجارة المواد الغذائية مثل: الحبوب والتمر والثياب، كما كانوا يتعاملون بالربا، ويستغلون المسلمين ويقولون: "ليس علينا في الأميين سبيل"، وكان ذلك حافزًا وباعثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُنشئ للمسلمين سوقًا في المدنية.تروي كتب السيرة: "كانت في المدينة سوق تُسمَّى: "سوق بني قينقاع"، وكانوا يتعاملون فيها بالربا والمقامرة والتدليس والغش والغرر والاحتكار، ويفرض على المتعاملين فيها الإتاوات، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُنشئ سوقًا للمسلمين، فذهب إلى مكان قريب وضرب فيه قُبَّة (خيمة) كبيرة؛ لتكون رمزًا وعلامة يتجمع حولها المسلمون للبيع والشراء، فاغتاظ اليهود من ذلك، وقام كعب بن الأشرف زعيم اليهود وعدو المسلمين بهدم الخيمة وقوضها وقطع أطنابها، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يجعل لهذا التصرف الصغير قيمة، فقال:"والله لأضربن له سوقًا هو أغيظ له من هذا"، ومضى إلى مكانٍ آخر فسيح واشتراه من صاحبه وضرب فيه برجله وقال:"هذه سوقكم لا تتحجروا ولا يضرب عليه الخراج".ويقصد بذلك لا بد وأن تكون السوق واسعة ولا يُضيق التجار بعضهم على بعض فى الاماكن، كما لا يجوز لولي الأمر أن يفرض على المتعاملين فيها إتاوات أو رسوم أو ضرائب، خلاف زكاة المال المقررة شرعاً.
وبذلك اكتملت البنيات الأساسية للدولة الإسلامية:

ـ بناء المسجد ليكون المقر الرسمي والمنطلق .

ـ إقامة المجتمع المتآخي المترابط .

ـ إنشاء السوق الإسلامية لتكون أساسًا للاقتصاد الإسلامي.

 وانطلقت بعد ذلك الدعوة الإسلامية إلى كل أرجاء الجزيرة العربية ثم إلى العالم، فكانت الهجرة بناء دولة وتأسيس أمة.

Bookmakers bonuses with www gbetting.co.uk site.