07212024الأحد
Last updateالجمعة, 17 تشرين2 2023 8pm

مقالات

تجديد الدين بتجديد المعاملة

almou3amala

يقال إن القرآن نزل بمكة، وطُبق بالمدينة، وحُفظ بالمغرب،وجُود ورُتل بمصر، وكُتب وخُطِّط بتركيا.في هذا القول إشارة تقريبية إلى ما امتازت به كل جهة من مزايا في حق القرآن الكريم.فمكةُ المكرمة حظيت بشرف نزوله الأول فيها، وهو نزول إجمالي للكتاب العزيز،ثم نزلت سوره الأولى في جبالها وشعابها.وأما المدينة المنورة فكان لها شرف التطبيق العملي للقرآن،

ففيها قام مجتمع القرآن، وفيها تأسست دولة القرآن، فهي حاضنة الإسلام الأولى.وأما المغرب فعُرف أهله بشدة إقبالهم على حفظ القرآن وإتقان حفظه، والحرص على تحفيظه، وسيستمرون في ذلك - بإذن الله - وأما الذين حازوا الريادة والإبداع في التجديد والترتيل فهم المصريون. ففيهم يظهر ويكثر المقرئون ومشاهير المقرئين المتفننين.وأما الأتراك فقد تفننوا وتفوقوا خاصة في كتابة المصاحف وحُسنِ تخطيطها وزخرفتها.وفي هذا العصر انتعشت واتسعت- بصفة خاصة - دائرة العناية بتجويد القرآن وترتيله، وأنشئت لهذا الغرض جمعيات ومراكز ومؤسسات، وبدأت تنظم له مسابقات حافلة، محلية وقُطْرية وعالمية. بل حتى "قناة دوزيم" المغربية - وهي المعروفة بلونها واتجاهها - دخلت وأسهمت بسهمها في هذا المجال، مشكورة على كل حال.هذا عن التجويد والترتيل، وأما فهم القرآن وتدبره، فتأسست له مؤخرا (الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم). وفي أواخر شهر شعبان المنصرم عقدت هذه الهيئة مؤتمرها العالمي الأول بقطر، وشارك فيه ستة وثمانون عالما وباحثا، من شتى أنحاء العالم. وقد صدرت عن المؤتمر عدة توصيات منها:

• إعداد خطة استراتيجية عملية؛ لتعزيز ثقافة تدبر القرآن في مجتمعات المسلمين على اختلاف لغاتهم.
• إنتاج برامج إعلامية متخصصة بالتدبر ودعمها، والاهتمام بشكل أخص بمواقع التواصل الاجتماعي.
• تصميم حقائب تدريبية متنوعة في مجال تدبر القرآن الكريم، والاستفادة في ذلك من خبراء التربية، ومراكز التدريب.
• الدعوة إلى إنشاء مراكز وجمعيات متخصصة في تدبر القرآن الكريم.

إذاكان علماء المسلمين - وعامتهم أيضا – قد اعتنوا عناية بالغة بتجويد القرآن وترتيله، وأسسوا لذلك (علم التجويد)، وألَّفوا فيه عشرات الكتب، فجدير بهم - بل أجدر بهم - أن يوجهوا عنايتهم أكثر فأكثر إلى تطبيق القرآن الكريم، وأن يؤسسوا لذلك (علم تجويد العمل بالقرآن)، أو تجويد العمل بالإسلام بصفة عامة. فتجويد القرآن وترتيله، وكذلك تدبره وتفسيره، ما هي إلا خطوات ومقدمات لأجل الوصول إلى الغاية العليا والغاية الحقيقية، التي هي العمل بالقرآن. فتجويد العمل وتحسينُه، يجب أن يحظى بعناية أكبر بكثير من العناية المخصصة لتجويد التلاوة وتصحيحِ مخارج الحروف.وقد روى الإمامُ مالكٌ في موطئه قول الصحابي عبدِ الله بنِ مسعود رضي الله عنه لأحد تلاميذه: "إنك في زمان قليلٌ قُرَّاؤُه (أي أن حُفَّاظ القرآن قليلون يومئذ)، كثير فقهاؤه، يُحفظ فيه حدود القرآن، ويُضيع حروفُه، قليلٌ من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون فيه الخطبة, يبدون فيه أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي زمان كثير قراؤه، قليل فقهاؤه، يُحفظ فيه حروف القرآن, ويُضَيَّع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون الخطبة، ويقصرون الصلاة، ويبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم".
المسلمون اليوم محتاجون إلى تجويد العمل، وليس فقط إلى العمل كيفما كان. فنحن عندنا عمل كثير وتدين وفير، ولكن كثيرا منه إنما هو غثاء كغثاء السيل. عندنا عمل منحط وتدين رديء، بينما القرآن يدعونا ويأمرنا بالإحسان في العمل، لا بمطلق العمل.فالله تعالى يقول:
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]
{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125]
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]
{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53]
{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]
وفي حديث جبريل الشهير: قال فأخبرني عن الإحسان؟ قال «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
فالمطلوب في هذه الآيات، وفي هذا الحديث، ليس العمل وحسب، بل الإحسان والرقي فيه، إلى درجة أن تقوم بعملك - كلِّ عملك - وكأنك ماثل بين يدي الله، تراه وترجو رضاه بعملك، وتخشى سخطه عليه.
و"الإحسان" ليس صفة تكميلية تطوعية، أو شوطا إضافيا اختياريا، من شاء عمل به ومن شاء تركه، كما يظن بعض الناس، بل هو عين العمل الذي يطلبه الشرع ويجازي عليه، كما تدل على ذلك الآيات السابقة، وكما هو صريحُ قولِه صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته». فلا يوجد عمل ديني أو دنيوي إلا وقد كَتب اللهُ - أي أوجب - فيه الإحسان، أي: أن يؤدَّى على أحسن ما يرام وأحسن ما يمكن.على أن الإحسان لا يعني السلامة التامة الدائمة من كل خطأ أو خطيئة أو خلل، فهذا غير وارد وغير مطلوب أصلا، بل المقصود هو أن الإحسان والتجويد في الأعمال، يكون هو النهج العام المتبع بحسب الاستطاعة والوسع. والشأن في ذلك كما قال الله عز وجل عن عباده المحسنين: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16].
جاء في سنن أبي داود عن أبي هريرة،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".يتضمن هذا الحديث النبوي الشريف عدة أمور:
1. أن الدين يقبل التجديد ويحتاج إلى تجديد،
2. أن الدين الذي يقبل التجديد إنما هو "الدين الممارَس فعلا"، وليس الدين المنزَّل، ولذلك قال: "يجدد لها دينها"، أي دينها الذي تحياه وتمارسه.
3. أن الله تعالى قد تكفل ببعث المجددين للدين، كما كان يبعث الأنبياء والرسل من قبل. فالمجددون المبعوثون كل مائة سنة، عَوَّضوا إرسال الأنبياء الذين خُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وأما لماذا التجديد، فقد أوضح العلماء أن الدين معرض لأن يصاب - من حيث فهمُه والعملُ به - لأنواع شتى من الرثاثة والخمول والابتداع والانحراف، مما يجعل مواجهة هذه الآفات بالإصلاح والتجديد والتقويم أمرا لازما لا غنى عنه. وهذا ما كان يتولاه من قبلُ الأنبياء والرسل.وأما بعد ختم النبوة وإغلاق بابها، فقد أصبح لا بد من ضرب جديد من الاستمرارية لوظيفة الأنبياء، فكان العلماء والمجددون، الذين هم ورثة الأنبياء. يقول العلامة ابن عاشور: "فإذا فرضنا كمال أمر الدين حصل في عصر الآباء عن مشاهدتهم أمرَه، كما نفرضه في عصر النبوة حين شاهد الصحابة الدين في مَنَعَةِ شبابه، جاء الأبناء فتلقوا عن الآباء صور الأمور الدينية عن سماع وعلم دون مشاهدة، فكان علمهم بها أضعف. ومن شأن الجيل إحداث أمور لم تكن في الجيل السابق. فإذا جاء جيل الحفدة تُنُوسِيَت الأصول و كثر الدخيل في أمور الدين، فأشرف الدين على التغيير، فبعث الله مجددا ..." ( تحقيقات وأنظار ص113 )
وهكذا فإن دورة ثلاثة أجيال تكون عادة كافية لحصول الفتور والتراخي في التدين، وحصول ضمور في بعض جوانب الدين، مقابل تضخم أو غُلُوٍّ في جوانب أخرى.وفي نصوص الشرع تنبيهات متكررة على هذا، كما في قوله سبحانه: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16]. وفي السُّنة تنبيهات كثيرة على ما سيتطرق إلى المسلمين من ذلك مثل: "إياكم ومحدثات الأمور"، "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"، "يَحمل هذا العلمَ من كل خَلَف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
فأسباب التجديد ودواعيه هي الاختلالات الفهمية والتطبيقية، المعتادُ حصولُها وتراكمها، ومعنى ذلك أن الدين المجدد ليس هو الدين كما أنزله الله تعالى، وليس هو العقائد والشرائع التي يتكون منها هذا الدين المنزَّل، وإنما المراد "دين الناس" أو "إسلام المسلمين"، أي فهمهم للدين، وتفاعلهم مع الدين، وعملهم بالدين، وتعاملهم مع الدين، وتطبيقهم للدين، على نحو ما نقول: فلان أسلم وحسن "إسلامه"، فهو حسَن الإسلام، يقابله من ساء إسلامه، فإسلامه سيء، ونحو قولنا: فلان متين الدين،  وفلان لَيِّنُ الدين. فللأول دينه، وللثاني دينه، بينما هما يدينان بدين واحد في ذاته وأصله،وعلى هذا يمكن القول مثلا: إن" إسلامنا" اليوم ليس كــ" إسلام الصحابة"، وإن إيماننا ليس كإيمان الصحابة، نريد بذلك الاختلاف في الدرجة، والاختلاف في السلامة، والاختلاف في القوة...إذاً فإسلام الناس يتغير بمرور الزمن؛ ينحط، ويفتر، وينحرف... ثم يأتي التجديد لتقويم ما اعوج،  وإصلاح ما فسد، وإحياء ما مات أو تلاشى...فهذا هو التجديد، وهذا هو الدين المجدد.
وتختلف عبارات العلماء الذين تحدثوا عن مجالات التجديد، وتختلف طريقة عرضهم، ما بين من يُجْملها في كلمات، ومن يُفصِّل ويُجَزِّيء حتى يجعلها بالعشرات. ولكن مرماهم واحد، هو ما تقدم أو بعضه.
والذي تكاد تتفق عليه كلمة المتكلمين في هذا الموضوع، هو أن تجديد المجددين قد يتسع وقد يضيق، حسب حاجة الزمان من جهة، وحسب مقدرة المجدد ومؤهلاته وإمكاناته. وعلى هذا، فقد يكون التجديد علميا صِرفًا، بل قد يكون علميا في مجال علمي دون سواه، وقد يكون تربويا دعويا. وقد يكون سياسيا إداريا ينصبُّ على إصلاح أجهزة الدولة وتطهير دواليبها من الغش والخيانة والتَّرَهُّل والظلم...وقد يكون عسكريا يحيي في الأمة جهاديتَها ويعيد بناء جيشها ورصَّ صفوفها، ويحقق لها من الانتصار والعزة، ما يبعث آمالها ونهوضها لرسالتها ومكانتها ...يرى العلامة ابنُ عاشور أن الجوانب التي تحتاج إلى التجديد من حين لآخر تتلخص في ثلاثة، يقول: " فالتجديد الديني يلزم أن يعود عمله بإصلاح الناس في الدنيا : إما من جهة التفكير الديني الراجع إلى إدراك حقائق الدين كما هي، وإما من جهة العمل الديني الراجع إلى إصلاح الأعمال، وإما من جهة تأييد سلطانه" - المرجع السابق. فالتجديد عنده: إما للعلم والفكر، أو للتدين العملي لعموم المسلمين، أو للأوضاع السياسية للأمة.فالأول يقوم به العلماء والمفكرون.والثاني يقوم به الدعاة والمُرَبُّون والمصلحون.والثالث يقوم به الولاة والزعماء السياسيون الناجحون.

(مقتبس لأهميته )

Bookmakers bonuses with www gbetting.co.uk site.