07212024الأحد
Last updateالجمعة, 17 تشرين2 2023 8pm

خطب ومحاضرات

ضرورة الهجرة إلى الله

ففروا الى الله

من اطلع على عيوب نفسه،أنزل نفسه المنزلة الحقيقة لا سيما إذا مالت إلى الكبر والتغطـرس.فمعرفـة العبد قدر نفسه يورثه تذللا لله وعبودية عظيمة لله عزوجل فلا يمن بعمله مهمـا عظم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر.قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا ".ومن فوائد المحاسبة أن يتعرف على حق الله تعالى عليه وعظيم فضله ومنّه؛ وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله، فيكـون ذلك رادعا له عـن فعل كل قبيح؛ وعنـد ذلك يعلـم أن النجـاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته

الحمد لله الملك الحكيم، خلق الإنسان في أحسن تقويم، فطر السماوات والأرض بقدرته، ودبرالنور في الدارين بحكمته، وما خلق الإنس والجن إلا لعبادته، فالطريق إليه واضح، ولكن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام ديناً، والصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله، بلغت الرسالة وأديت الأمانة وجاهدت في الله حق جهاده، صلى الله عليك وعلى آلك وأصحابك وسلم إلى يوم الدين.أما بعد ،أيها الإخوة المسلمون ، في كل عام وبعد موسم الحج المبارك، موسم المغفرة والرحمات، يبدأ العام الهجري الجديد،الذي اعتبره الصحابة رضوان الله عليهم بداية لتاريخ هذه الأمة. وقائع هذا الحدث العظيم، من المفروض أن يكون الجميع على علم بها وبتفاصيلها ،لا سيما وأن القنوات الفضائية تبث من المسلسلات والأفلام ما فيه الكفاية. ولكن ومع إشراقة هذا العام الهجري الجديد ،يجدر بالمسلم ان يقف طويلا، متأملاً معتبرًا محللاً، لحاله مع ربه أولا وقبل كل شيء ، ومتأملا معتبرا محللا لحال أمته ، لأنه جزء من هذه الأمة وعزه في عزها وهوانه في هوانها.ودعنا عامًا هجريًا وبدأنا عامًا آخر،انقضت صفحة من صفحات حياتنا،ولا ندري كيف طويناها، هل سودناها بسوء أعمالنا،أم بيضناها بالطاعات وبصالح الأعمال.المسلم الصالح  تكون له وقفات دائمة مع نفسه ليحاسبها فيصحح مسيرته ويتدارك خطأه، لا سيما عند انقضاء مرحلة من مراحل عمره. فالعمرهو رأس مال المسلم .والعمر هو هذه الأيام التي تطوينا ولن تعود .كلما انقضى يوم طويت صفحة من كتابك . فهل راجعت تلك الصفحة قبل العرض الأكبر ، يوم يقال لك : " إقرأ كتابك ، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " النفس أيها الإخوة الكرام سريعة التقلب، ميالة في كثير من الأحيان إلى الشر،كما قال الله تعالى عنها:{ إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي}. ومـن هنـا كـان لزاما على كل عبد يرجو لقاء ربه أن يطيل محاسبته لنفسه، وأن يجلس معها جلسات طِــوالاً؛ فينظر في كل صفحة من عمره مضت ،بماذا ملأها.على المسلم أن يقف وقفة تأمل ومحاسبة كل ليلة ،يراجع نفسه فيما عملت طول النهار، فإن لم يستطع ذلك ، فليكن كل أسبوع ، كل ليلة خميس أو جمعة يحصي أمام عينيه حصيلة الأسبوع الماضي ويشدد على نفسه في ذلك ويؤنبها ، فإن لم يفعل ذلك فليكن مرة في كل شهر.ألست في آخر كل شهر تجلس لوحدك لتحسب المداخيل والمصاريف وتتذكر أين وضعت الدرهم الفلاني وكيف نقص الدرهم الفلاني وماذا عليك أداؤه لحق الكهرباء ولفلان وللبنك .. تتذكرهذا كل شهر وتنسى الأهم .تنسى نفسك المحاسبة كما قال الماوردي: " أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودا أمضـاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموما استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في الـمستقبل" ويقول ابن القيم رحمه الله: " المحاسبة أن يميز العبد بين ما له وما عليه فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه؛ لأنه مسافرٌ سَفَرَ من لا يعود".

 أيها الاخوة، من اطلع على عيوب نفسه، أنزل نفسه المنزلة الحقيقة لا سيما إذا مالت إلى الكبر والتغطـرس.فمعرفـة العبد قدر نفسه يورثه تذللا لله وعبودية عظيمة لله عز وجل فلا يمن بعمله مهمـا عظم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا ".ومن فوائد المحاسبة أن يتعرف على حق الله تعالى عليه وعظيم فضله ومنّه؛ وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله، فيكـون ذلك رادعا له عـن فعل كل قبيح؛ وعنـد ذلك يعلـم أن النجـاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقن أنه من حقه سبحانه أن يطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.من فوائد المحاسبة كذلك أنها تزكي النفس وتطهرها وتلزمها أمْر الله تعالى.قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]. وقال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدا ".هذه المحاسبة حينما تغيب من حياة الفرد والأمة فإن الفساد يقع في الدنيا.ويصير ظاهرا جليا حينما لا يتوقع المجتمع أو الفرد حسابا، لا يتوقع حسابا من رب قاهر أو من ولي حاكم أو من مجتمع محكوم أو من نفس لوامة .حينما لا يتوقع المجتمع ولا الفرد حسابا على تصرفاتهم فإنهم ينطلقون في حركة الحياة كما يحبون ويموجون كما يشتهون وكما تهوى أنفسهم ،لا يهمهم خير ولا شر ولا يقفون عند حلال أو حرام ، ولا يعترفون بأخلاق ولا بدين ، فيتشبهون بأهل النار من حيث يشعرون أو لا يشعرون { إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا .وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} [النبأ: 27-28].المحاسبة تربي عند الإنسان الضمير الحي داخل النفس، وتنمي في الذات الشعور بالمسئولية ووزن الأعمال والتصرفات بميزان دقيق هـو ميزان الشرع . يقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ويقول عزمن قائل في وصف المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عند الزلة والتقصير ويرجعون عما كانوا عليه: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (الأعراف: 201) وقال الحسن البصري في تفسير قول الله عز وجل: { وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } (القيامة: 2 ):" لا يُلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه ". قال الفاروق عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر" {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} (الحاقة: 18).ويصف الحسن البصري المؤمن بقوله: "المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمرمن غير محاسبة".كيف تحاسب نفسك أخي المؤمن أختي المؤمنة ؟ بين العلماء أن المحاسبة تكون على نوعين :  محاسبة قبل العمل، وهي أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.قال الحسن: "كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة تثبّت؛ فإن كانت لله أمضاها، وإن كانت لغيره توقف" وقيل لنافع بن جبير: ألا تشهد الجنازة؟ فقال: "كما أنت حتى أنوي، ففكر هنيهة، ثم قال: امض".
النوع الثاني ،محاسبة بعد العمل ويكون بمحاسبتها على التقصير في الطاعات في حق الله تعالى وذلك بأن يديم سؤال نفسه: هل أديتُ هذه الفريضة على الوجه الأكمل مخلصا فيها لله ووفق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن كان مقصّرا ـ وأيّنا يسلم من ذلك؟ ـ فإنه يسد الخلل بالنوافل فإنها تُرقّع النقص في الفريضة وتربي عندالعبد جانب العبادة.أما إذا كان قد انتهك الحرمات وارتكب الموبقات فعليه التوبة من قريب،والاسراع إلى ما يمحيه من صحيفته.وبعد أن يحاسب نفسه هذه المحاسبة ويجلس معها هذه الجلسة المطولة فإنه ينتقل إلى الثمرة والنتيجة ألا وهي العمل على تكفير تلك المعصية، فيتدارك نفسه بالتوبة النصوح وبالاستغفار والحسنات الماحية للسيئات.قال سبحانه: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} (هود: 114).فالبدارَ البدارَ يا عبد الله قبل أن يُختم لك بخاتمة سوء ولم تتب من معصيتك. تذكّر الحشر والنشر وهول جهنم وما أعده الله للعصاة والفسقة من الأغلال والحديد والزقوم والصديد في نار قال عنها رسولنا صلى الله عليه وسلم: "إن أهون أهل النار عذابا رجل انتعل نعلين يغلي منهما دماغه".إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلاكهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته ،لا يأمن شيئا حتى يلقى الله عز وجل. وقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة في محاسبة النفس، مما لو حاولنا أن نحكيه لعجزنا عن ذلك، لأن أولئك القوم ارتبطت قلوبهم بالله ؛ فكانوا أجسادا في الأرض وقلوبا في السماء، وما إن يحصل من أحدهم تقصير أو زلة إلا ويسارع في معالجة خطئه، ومعاقبة نفسه على ذلك؛ حتى لا تكاد تأمره نفسه إلا بخير.عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما وقد خرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته يقول -وبيني وبينه جدار-: "عمر؟! أمير المؤمنين!! بخٍ بخٍ، واللهِ بُنَيّ الخطاب لتتقينّ الله أو ليعذبنّك".وجاء رجل يشكو إلى عمر وهو مشغول فقال له: أَتَتْركون الخليفة حين يكون فارغا حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه؟ وضربه بالدرة، فانصرف الرجل حزينا، فتذكّر عمر أنه ظلمه، فدعا به وأعطاه الدرة، وقال له: "اضربني كما ضربتك" فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك. فقال عمر: "إما أن تتركه لله فقط ، وإما أن تأخذ حقك" فقال الرجل: تركته لله. فانصرف عمر إلى منزله فصلى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه: "يا بن الخطاب: كنتَ وضيعا فرفعك الله، وضالاً فهداك الله، وضعيفا فأعزّك الله، وجعلك خليفةً فأتى رجلٌ يستعين بك على دفع الظلم فظلمتَه! ما تقول لربك غدا إذا أتيتَه؟ وظل يحاسب نفسَه حتى أشفق الناس عليه ". وقال إبراهيم التيمي: " مثّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثّلتُ نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا! قلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي".وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال: كنتُ أصحبُه فكان عامة صلاته بالليل، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه: "يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعتَ يومَ كذا؟".ونُقِل عن توبة بن الصّمة: "أنه جلس يوما ليحاسب نفسَه فعدّ عمره فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيّامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفا وخمسمائة يوم؛ فصرخ وقال: يا ويلتى! ألقى الملك بواحد وعشرين ألف ذنب؟ فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟!!".
عباد الله ،عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لله،ِ وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ،لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَد".
فإلى متى نسبح في بحار الغفلة، ونسير مع رياح الهوى، أليس وراءنا حساب، أليس وراء الحساب عذاب؟. فليعاهد كل منا نفسه أن يكون له في كل يوم قبل نومه لحظة حساب، فإن لم يكن ففي شهره، فإن لم يكن ففي سنته، وإلا فليس وراء ذلك خوف ولا خير!.نفعني الله ....

الحمدلله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لاإلاه إلا هوإليه المصير .وأشهد أن لاإلاه إلا الله وحده لا شريك له، يسبح له ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن إمامنا وأسوتنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله ، البشير النذير والسراج المنير، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين ..وبعد،أيها المسلمون ،إذا كان على المسلم أن يقف وقفة أمام نفسه لنفسه فإنه مطالب أيضا أن يقف وقفة مع نفسه لأمته . لأنه جزأ لا يتجزأ من هذه الأمة .ماذا قدمت لأمتك خلال هذه السنة ؟ هل ساهمت في وسائل تقدمها ورقيها ؟ أم أنك كنت وبالا وخسارا عليها ؟ هل عملت شيئا يعود عليها بالنفع والخير؟ أم زدتها بأفعالك وتصرفاتك نكسة على نكسة وهزيمة على هزيمة؟ هل حملت هموم الأمة كما حملها عنك نبيك الكريم وأصحابه العظام ؟ أم زدتها هما على هم بعدم اهتمامك بأمور المسلمين؟ إذا استطاع كل واحد منا أن يجيب على هذه الأسئلة بصراحة وبكل تجرد ، وأن يعاهد الله أن يقدم للإسلام ما في وسعه ابتغاء مرضاة الله ، نكون قد استفدنا بحق من دروس الهجرة ونكون قد احتفلنا بحق بعام هجري جديد. لقد مر بالأمة الإسلامية عام مليء بالمصائب والهموم ، الصهاينة يسخرون من العرب والمسلمين،يغتالون الشرفاء المجاهدين ، يدمرون البيوت ويبنون المستوطنات لليهود الجدد ويجتهدون في الحفر تحت أركان المسجد الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.أمريكا لا زالت تتحكم بقانون الغابة في البلاد والعباد فتغتصب الأوطان وتغتصب الأعراض وتغتصب الكرامة ، وكل من يريد أن يدافع عن شرفه أو يحمي بيته فهو إرهابي .انقلبت الموازين وصفنا ممزق في الداخل والخارج .ربنا واحد ورسولنا واحد وكتابنا واحد لكن قلوبنا شتى .والذي يتمتع ويتفرج على حالنا المزري هم الصهاينة وأحلافهم من الصليبيين والملحدين هذا حالنا في هذا العصر للأسف ولكن هذا الحال لن يدوم إن شاء الله ،فمع بداية كل عام هجري نجدد الأمل أن يتحول الهم إلى فرح وتتحول المصائب بإذن الله إلى نعم والمحن إلى منح والمهانة والذل إلى عز وسؤدد .علينا فقط أن نستفيق من غيبوبتنا ونهاجر من جديد لإعادة بناء أمة الإسلام. الهجرة دروسٌ لا تنتهي آفاقها،لا تحدها حدود ،ولا ينهيها زمن .بدأها نبي الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم لتفتح أمام المسلمين طريق الصبر والمصابرة حتى يأذن الله بانتصار الحق على الباطل.الهجرة كالجهاد ولا هجرة بلا أذى ولا أذى بلا صبر وثبات وعلى الله الأجر والثواب .يقول تعالى:{فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}  [آل عمران: 195].هاجرالرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى يثرب لا ليقيد دعوته الشريفة بالحدود.هاجر وفي نفسه إيمان كامل بمعية الله وبنصر الله ،هاجر وفي روحه عزم كبيرودائم على اقتلاع الكفر والظلم والقضاء على الطغيان والاستبداد ، وهذا ما تعيشه الأمة المحمدية اليوم ،الظلم من الداخل،من إخواننا قبل أن يكون من الأعداء والفقر في الأمة وهي غنية ولكن ثرواتها في يد حفنة من المتسلطين، والأمية منتشرة حتى 70 في المائة في بعض الدول ونحن أمة إقرأ،والمجاهرة بالمعاصي في بلاد الإسلام أكثر وأبشع منها في بلاد الكفر ،فكيف يتغير الحال ؟ ..كيف يأتي النصر والتمكين وقد ابتعدنا عن منهج الله؟ هاجرعليه الصلاة والسلام لتستمر الدعوة، وليستمر الجهاد ضد الطواغيت ،ضد الجهلة وضد الظالمين.فهل هاجرنا كهجرته ؟ هل قرأنا هجرته لنستفيد منها أم أن الأعوام تحصدنا ونحن غافلون؟  يقول تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج: 58].
اللهم اجعل يومنا خيرا من أمسنا واجعل غدنا خيرا من يومنا وأحسن عاقبتنا في الأمر كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم أهل علينا هذا الشهر وهذه السنة باليمن والايمان والسلامة والاسلام ،اللهم أصلح أمة محمد وارحم أمة محمد وانصر أمة محمد واجمع كلمة أمة محمد، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الهدى وقلوبهم على التقى ونفوسهم على المحبة ونياتهم على الجهاد في سبيلك وعزائمهم علي عمل الخيروخير العمل.اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويعاف فيه أهل المعصية ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر وتقال فيه كلمة الحق لا يخشى قائلها في الله لومة لائم.اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد وعبادك المؤمنين.اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم ذنباً إلى غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته, ولا ميتاً إلا رحمته, ولا عاصياً إلا هديته, ولا ديناً إلا قضيته, ولا مبتلى إلا عافيته, ولا عسيراً إلا يسرته, ولا مظلوماً إلا نصرته, ولا ظالماً إلا إلى الحق أرشدته, فإن أبى فلا تدعه إلا قهرته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين.ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين .ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 مسجد الرحمن / دبيلت – هولندا 
2 محرم 1426 / 11-02-2005
 

Bookmakers bonuses with www gbetting.co.uk site.